المسعودي
35
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وإيثاري لك ، وإحساني إليك ، وإني قد صرت عندك في حد من لا يُعْصَى له أمر ، ولا يخرج عن محبته ، وأريد أن آمرك بشيء فعرفني كيف قلبك فيه ، فقال : أنت تعلم كيف أفعل ( 1 ) ، فقل لي ما شئت حتى أفعله ، قال : إن ابني فارس قد أفسد علي عملي وعزم على قتلي وسَفْك دمي ، وقد صح عندي ذلك منه ، قال : فتريد مني ما ذا ؟ قال : أريد أن يدخل علي غداً فالعلامة بيننا أن أضع قلنسوتي في الأرض فإذا أنا وضعتها في الأرض فاقتله ، قال : نعم ، ولكن أخاف أن يبدو لك أو تجد في نفسك علي ، قال : قد آمَنَكَ الله من ذلك ، فلما دخل فارس حضر باغر ووقف موقف الضارب ، فلم يزل يراعي بُغا أن يضع قلنسوته فلم يفعل ، وظن أنه نسي ، فغمزه بعينه أن أفعل ( 2 ) ؟ قال : لا ، فلما لم ير العلامة وانصرف فارس قال له بُغا : اعلم أني فكرت في أنه حَدَثٌ وأنه ولدي ، وقد رمت أن أستخلصه هذه المرة ، فقال له باغر : أنا قد سمعت وأطعت وأنت أعلم وما دبرت وقدرت عليه فيه صلاحه ، ثم قال له : وههنا أمر أكبر من ذلك وأهم فعرفني كيف تريد أن تكون فيه ، قال له : قل ما شئت حتى أفعله ، قال : أخي وصيف قد صح عندي أنه يُدَبر علي وعلى رفقائي ، وأن مكاننا قد ثقل عليه ، وأنه عَوَّلَ على أن يقتلنا ويفنينا وينفرد بالأمور ، قال : فما ذا تريد أن يصنع به ؟ قال : افعل هذا فإنه يصير إلى غد فالعلامة أن أنزل عن المصلَّى الذي يكون معي قاعداً عليه فإذا رأيتني نزلت عنه فضع سيفك عليه واقتله ، قال : نعم ، فلما صار وصيف إلي بُغا حضر باغر وقام مقام المستعد ، فلم ير العلامة حتى قام وصيف وانصرف ، قال : فقال له بُغا : يا باغر ، إني فكرت في أنه أخي ، وأني قد عاقدته وحلفت له ، فلم أستجز أن أفعل ما دَبَّرته ، ووصله وأعطاه ، ثم إنه أمسك عنه مدة مديدة ودعا به ، فقال : يا باغر ، قد حضرت حاجة أكبر من الحاجة التي قدمتها فكيف قلبك ؟ قال :
--> ( 1 ) في نسخة : أنت تعلم كيف هو . ( 2 ) في نسخة : أي افعل .